مرتضى الزبيدي

511

تاج العروس

والأَخفشَ وأَبا مالِكٍ عن هذا الحرفِ فقالوا جَميعاً : ما ندري ما هُوَ ، وقال الأَخفَشُ : أنا منذُ خُلِقْتُ أَسأَلُ عن هذا . قال ابنُ برّيّ : هذا تصحيفٌ ، والصّوابُ ما أَغفلَه عنكَ بالفاءِ والغَينِ ، وهكذا رواه سيبويه ، وهكذا صرَّحَ به أَيضاً أَبو محمَّدٍ إسماعيلُ بنُ محمَّد بن عَبدوس النَّيسابورِيُّ أَنَّه تصحيفٌ ، والمسموع بالغين والفاءِ ، كذا بخَطِّ أَبي سَهلٍ الهَرَوِيِّ وأَبي زَكَرِّيّا . وقولُ الشَّعبِيِّ : ( 1 ) لا تَعقِلُ العاقِلَةُ ، العَمْدَ ولا العَبْدَ ، ورواهُ غيرُه : لا تَعقِلُ العاقِلَةُ ، عَمْداً ، ولا صُلْحاً ، ولا اعتِرافاً ، ولا عَبداً ، أَي أَنَّ كلَّ جِنايةٍ عَمْدٍ فإنَّها في مال الجاني خاصَّةً ولا يلزَمُ العاقلَةَ منها شيءٌ ، وكذلكَ ما اصطَلحوا عليه من الجناياتِ في الخَطَأِ ، وكذلكَ إذا اعترَفَ الجاني بالجِنايَةِ من غيرِ بيِّنَةٍ تقومُ عليه ، وإن ادَّعى أَنَّها خطأٌ لا يُقبَلُ منه ، ولا يُلزَمُ بها العاقِلَةُ وليس بحديثٍ كما توهَّمَه الجَوْهَرِيُّ . قلتُ : هذا الحديثُ أَخرجَهُ الإمامُ محمَّدٍ في مُوَطَّئهِ بإسنادِه عن ابنِ عبّاسٍ ، ومَتْنُهُ : " لا تَعقِلُ العاقِلَةُ عَمداً ولا صُلحاً ولا اعتِرافاً ولا ما جَنى المَمْلوكُ " وكذلكَ ابنُ الأَثيرِ في النِّهايةِ فإنَّه سمَّاهُ حَديثاً ، وإذا ثبتَ الحديثُ عن ابنِ عبّاسٍ ، ولو مَوقوفاً ، سيَما إذا كانَ في حُكمِ المَرفوعِ ، فقولُه : ليسَ بحَديثٍ إلخ ، مَردودٌ عليه ، وكأَنَّه نظَرَ إلى الصَّاغانِيّ . قال في العُبابِ : وفي حديثِ الشَّعبِيِّ : لا تَعقِلُ العاقِلَةُ عَمداً ولا عَبداً ولا صُلحاً ولا اعتِرافاً . فقلَّدَه في قوله ذلكَ ، وذَهَلَ عن أَنَّهُ مَروِيٌّ من طريق ابنِ عبّاسٍ ، وقد أَشارَ إلى ذلكَ المُنلا عليّ في رسالةٍ ألَّفَها في ذلك ، سمّاها : تشييعَ فقهاءِ الحَنفِيَّةِ لِتَشنيعِ سفهاءِ الشَّافِعِيَّةِ ونقلَهُ شيخُنا ، معناهُ : أَنْ يَجنيَ الحُرُّ ، الأَولَى حُرٌّ ، على عَبدٍ ، خطأً ، فليس على عاقلَةِ الجاني شيءٌ إنَّما جِنايَتُهُ في ماله خاصَّةً ، وهو قولُ ابنُ أَبي لَيلَى ، وصَوَّبَهُ الأَصمعيُّ ، وإليه ذهبَ الإمامُ الشافعيُّ ، قال ابنُ الأَثيرِ : وهو مُوافقٌ لكلام العربِ ، لا أَن يَجنِيَ العَبْدُ على حُرٍّ ، كما توَهَّمَ أَبو حنيفَةَ ، أَي في تفسير قول الشَّعبِيِّ السَّابِقِ : لا تَعقِلُ العاقِلَةُ العَمْدَ ولا العَبْدَ . قال ابنُ الأَثيرِ : وأَمّا العَبْدُ فهو أن يَجنيَ على حُرٍّ فليس على عاقِلَةِ مَولاهُ شيءٌ من جِنايَةِ عبدِهِ ، وإنَّما جِنايَتُه على رَقَبَتِه ، قال : وهو مَذهبُ أَبي حنيفةَ رحِمه الله تعالى ، هذا نَصُّ ابنِ الأَثيرِ ، وقد قدَّمَه على القَول الثّاني ، وفيه تأَدُّبٌ مع الإمام صاحب القَولِ . وأمّا قولُ المُصنِّفِ : كما توَهَّمَ إلى آخره ، ففيه إساءَةُ أَدَبٍ معَ الإمامِ رضي الله تعالى عنه لا تَخفى ، كما نبَّه أَكمَلُ الدِّينِ في شرحِ الهِدايَةِ ، وغيرُه ممَّن اعتَنى من فُقَهاءِ الحنفيَّةِ ، ثمَّ قال : لأَنَّه لو كان المعنى على ما توهَّمَ ، ونَصُّ النِّهايَة : إذْ لو كانَ المَعنى على الأَوَّلِ ، أَي على القول الأَوَّلِ ، وهو قولُ أَبي حنيفَةَ ، ولم يَقُلْ : على ما توَهَّمَ ، لأَنَّ فيه إساءَةَ أَدَبٍ ، ونَصُّ الأَصمَعِيِّ : لو كان المَعنِيُّ ما قال أَبو حنيفَةَ لكان الكَلامُ : لا تَعقِلُ العاقِلَةُ عن عَبدٍ ، ولم يكن ولا تعقِلُ العاقِلَةُ عبداً ، هكذا في النُّسَخِ ، ولا تعقِلُ بزِيادَةِ الواو ، وهي مُستَدْرَكَةٌ . وقال الأَصمعِيُّ : كلَّمْتُ في ذلكَ أَبا يوسُفَ القاضِيَ ( 2 ) بحضرةِ الرَّشيدِ الخليفةِ فلم يَفرُقْ بينَ عقلْتُه وعَقَلْتُ عنهُ ( 3 ) حتّى فهَّمْتُه ، هكذا نقله ابنُ الأَثير في النِّهاية ، والصَّاغانِيّ في العباب ، وابنُ القطّاعِ في تهذيبه ، وقلَّدَهم المُصَنِّفُ فيما أَوردَه هكذا خَلَفاً عن سَلَفٍ ، وقد أَجابَ عنه أَكملُ الدِّينِ في شرحِ الهِدايَةِ ، فقال : يُسْتَعْمَلُ عقَلْتُهُ بمعنى عَقَلْتُ عنهُ ، وسياقُ الحديثِ ، وهو قولُه : لا تَعقِلُ العاقِلَةُ ، وسياقه ، وهو قولُه : ولا صُلحاً ولا اعتِرافاً ، يَدُلاّنِ على ذلكَ ، لأَنَّ المَعنى عَمَّن تَعَمَّدَ وعَمَّن صالحَ وعَمَّن اعْتَرَفَ ، انتهى . قال شيخُنا : ولو صَحَّ عن أَبي يوسُفَ أَنَّه فهِمَ عن الأَصمعيِّ خِلافَ ما قالَه أَبو حنيفَةَ لرَجَعَ إليه ، وعَوَّلَ عليه ، لأَنَّه وإن كانَ مُفَصِّلاً لِما أُجْمِلَ من قواعِدِ أَبي حنيفَةَ فإنَّه في حَيِّزِ أَربابِ الاجتهادِ ، وهو أَتقى لله من ارتكابِ خِلافِ ما ثبَتَ عندهُ أَنَّه صَوابٌ ، وكونُ هذه اللغةِ ممَّا خَفِيَ عن الأَصمَعِيِّ والشَّافِعِيِّ لِغرابَتِها ، لا يُنافي أَنَّها وارِدَةٌ في بعضِ اللُّغاتِ الفَصيحَةِ الوارِدَةِ عن بعضِ العرَبِ ، وكلامُ

--> ( 1 ) في اللسان والصحاح : " وفي الحديث " وفي التهذيب : " وروي عن الشعبي أنه قال " . ( 2 ) لفظة " القاضي " ليست في القاموس . ( 3 ) بهامش القاموس : أجيب بأن عقلت يستعمل في معنى عقلت عنه ، وسياق الحديث ، وهو قوله : لا تعقل العاقلة عمدا ، وسياقه وهو قوله : ولا صلحا ولا اعترافا يدلان على ذلك لأن معناه : عمن عمد وعمن صلح وعمن اعترف اه‍ شارح الهداية لأكمل الدين اه‍ قرافي .